المنجي بوسنينة
714
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ويذكر أنّ المجلس البلدي بتوجيه من حسين قد أذن إلى عمد الحارات بإجراء مسح إحصائي تمّ ضبطه في جدول يبيّن بدقّة المكونات الوظيفية للمدينة من المنازل والمحلات التجارية والحرفية ومرافق الخدمات مثل الحمّامات والفنادق والمدارس والجوامع وغيرها . فهذا الإحصاء الأوّل من نوعه في تونس ينمّ عن فكر متطوّر يؤسّس العمل المدني والسياسي على المعرفة الموضوعية ويدلّل في ذات الوقت على تبلور اتجاه نحو الإصلاح والتقدّم الذي عرفته تونس في بداية المنتصف الثاني للقرن التاسع عشر وكان حسين أبرز من يمثّله . ولبعث نهضة ثقافية وعلمية كان لا بدّ من الطباعة الحديثة لنشر المعرفة على نطاق واسع ، ولهذا الغرض سافر حسين إلى باريس لاقتناء مطبعة بالأحرف الحديدية التي مكّنت البلاد من إصدار أوّل جريدة لها وهي « الرائد التونسي » عام 1277 ه / 1860 م برئاسته ؛ وقد كانت عاملا فعّالا في إحياء التّراث بتحقيقه ونشره ، وفي تأسيس حداثة نامية بتونس . كما كان حسين عضوا في لجنة صياغة دستور 1861 م الذي هو تفصيل لما جاء مجملا في وثيقة عهد الأمان التي هي ترجمة تونسية للتنظيمات الخيرية العثمانية . وتولّى حسين رئاسة المحكمتين الجنائية والمدنية ، وكانت له بالمجلس الأعلى ( البرلمان ) مواقف مشهورة لصراحته في قول الحقّ والذبّ عنه بمساندته الدائمة للمصلحة العامّة حتى أنّه فيما أورد المؤرخ ابن أبي الضياف ، عارض مسعى دولة الصادق باي في مضاعفة ضربة المجبى محتجّا بما آل إليه السكّان من بؤس ، فقد غدا التونسيون الخاضعون للابتزاز الضريبي ، على حدّ قوله ، بقرة استنزفوا ضرعها حلبا حتّى نزّ دما . وإثر فشل ثورة الفلاحين بزعامة علي بن غذاهم سنة 1864 وتفرّد الوزير مصطفى خزندار وبطانته بزمام الأمور ، عزل حسين عن منصبه وأبعد عن البلاد في خريف 1865 ، فخرج من البلاد وزار أقطارا عربية وأجنبية عديدة ، ولم يتولّ منصبا حكوميا إلّا بعد أفول نجم خزندار وتولّي خير الدين الوزارة الأولى عام 1873 ، فهبّ لمساعدته وعيّن في منصب وزير التعليم والنافعة ، إذ اهتمّ بالتعليم والأشغال العامّة وأشرف من موقعه ذلك على بعض الإصلاحات التي عرفها التّعليم الزيتوني ، وبعث تعليم حديث تجسّم في تأسيس المدرسة الصادقية ( 1875 ) ، وكان يصدر في أعماله التربوية عن رؤيا نقدية لما هو سائد يومئذ . أفنى الجنرال حسين سنوات من عمره بالبلاد الأروبية مدافعا عن الحقوق التونسية التي عبث بها بعض المفسدين الذين احتالوا واختلسوا أموال الدولة وفرّوا إلى الخارج تحميهم الامتيازات القنصلية والجنسية الأجنية المكتسبة . من ذلك أنّه قضّى أكثر من أربع سنوات صحبة خير الدين لمتابعة محمود بن عيّاد قابض الخزينة التونسية الذي فرّ في الخمسينات ( من القرن 19 ) بمحتواها إلى فرنسا . كما كلّف بمتابعة اليهودي نسيم شمامة الذي تولّى قباضة خزينة الدولة ثمّ فرّ بها هو الآخر إلى إيطاليا حيث منح الجنسية الإيطالية وأنكر على التونسيين حقوقهم ، فقضّى حسين رفقة صديقه العالم المصلح سالم بو حاجب